ابن الجوزي

273

بستان الواعظين ورياض السامعين

الدنيا تقف عليهم الملائكة فيقولون لهم : اسكتوا يا أولياء اللّه ، اسكتوا يا أعداء اللّه ، اسكتوا عليكم لعنة اللّه » وقوله : وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ النور : 36 ] يذكر فيها جميع ما أنزل العليم الخبير في كتابه المبين ، وجميع ما أمر به الصادق البشير النذير . قال اللّه مولانا الذي بيده ضلالنا وهدانا وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وقد نهانا محمد صلى اللّه عليه وسلم عن فضول الكلام في كل مكان . فإذا كان فضول الكلام وبالا على العباد في غير المساجد ، فأولى أن يتحفظ العبد عن الكلام في غير ذكر اللّه في المساجد . [ 429 ] كلمة السوء روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن العبد ليتكلم بالكلمة فينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب » . فهذا ثناء من أسرع الحاسبين على عمار المساجد المؤمنين . وقد أثنى عليهم الملك الرحمن في محكم القرآن ، حيث أوجب لهم الإيمان إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [ التوبة : 18 ] . وجاء في الخبر عن سيد البشر صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا كان يوم القيامة يقول الجبار تبارك وتعالى : أين جيراني ؟ فتقول الملائكة : مولانا ومن ينبغي أن يكون جارك ؟ فيقول اللّه تبارك وتعالى : يا ملائكتي أين عمار المساجد في الدنيا » . وأنشد يحيي بن معاذ بعرفات : إليك جئنا وأنت جئت بنا * وليس شيء سواك يغنينا فناك رحب وأنت ذو كرم * تدعو إلى بابك المساكينا قال اللّه تعالى : يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [ النور : 37 ] يريد أن القلوب يوم القيامة تعرف أمره يقينا فتتقلب ، وما كانت عليه من الكفر والشك في الحساب ، والبعث والثواب والعقاب ، والنعيم والعذاب ، فترى الأبصار يومئذ ما كان عنها مغطى بقوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] وقيل تتقلب الأبصار من الكحولة إلى الزرقة ، ومن البصر إلى العمى ، ومن بياض الوجه إلى السواد ، والقلوب تتقلب من الشك إلى اليقين ، ومن الأمن إلى الخوف ، ثم لم يوقنوا بالبعث حتى عاينوه ، ولم